محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
111
الآداب الشرعية والمنح المرعية
والاعتقاد ، قال حتى لو تحجف الإنسان بكل معنى وأمسك عن كل قول لما تركوه ويفصح لأنهم كثرة وهو واحد والكلام شجون ، والمذاهب فنون ، وكل منهم ينطق بمذهب ويعظم شخصا ، وآخر يذم ذلك الشخص والمذهب ويمدح غيره ، ولا يزال كذلك حتى يهش لمدح من يهوى . ويعبس لذمه ، وينفر من ذم مذهب يعتقده فيكشف ذلك ، فالعاقل من اجتهد في تفويض أمره إلى اللّه عز وجل في ستر ما يجب ستره وكشف ما يجب كشفه ، ولا يعتمد على نفسه فإنه يتعب ولا يبلغ من ذلك الغرض . قال لأنه إذا لم يهش بخلافة أبي بكر ولا علي رضي اللّه عنهما إن كانت المناظرة فيهما ، ولا إلى القدر ولا إلى نفيه ، ولا حدوث العالم ولا قدمه ، ولا النسخ ولا المنع من النسخ ، والسكون إلى هذا وبرد قلبه يدل على أنه كافر لا يعتقد إذ لو كان لهذا اعتقاد بحركة لهش إلى ناصر معتقده ، ولأنكر على مفسد معتقده ، فالويل للكاتم من المتكشفين ، وإرضاء الخلق بالمعتقدات وبال في الآخرة ، ومباغتتهم فيها ومكاشفتهم بها وبال في الدنيا وتغرير بالنفس ، ولا ينجو منهم المشارك لهم في الحيل . والأحرى بالإنسان أن يتماسك غما فيه ويترك فضول الكلام ، وإذا توسط اعتمد على اللّه في إصلاح دنياه ، وإذا قصد إظهار الحق لأجل اللّه عز وجل فاللّه تعالى يعصمه ويسلمه ، وما رأينا من رد البدع إلا السلامة . انتهى كلامه . وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ سورة الحجر : الآية 75 ] . أي المتفرسين . وروى الترمذي في تفسيرها الخبر المشهور عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه عز وجل " " 1 " وقد روى الجنيد رحمه اللّه هذا الخبر وهو في ترجمته ، وروى الترمذي عن أنس مرفوعا " من كانت الدنيا همه جعل اللّه فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ، ولا يمسي إلا فقيرا ولا يصبح إلا فقيرا ، وما أقبل عبد إلى اللّه عز وجل بقلبه ، إلا جعل اللّه تعالى قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالود والرحمة ، وكان اللّه بكل خير أسرع " " 2 " . ولأحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه عن شداد مرفوعا " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه عز وجل " " 3 " دان نفسه حاسبها في
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3127 ) بسند ضعيف فيه عطية الكوفي وهو ضعيف مدلس . وعدد الشيخ الألباني طرقه وجميعها لا تخلو من ضعف ، فانظرها في الضعيفة ( 4 / 299 ) . ( 2 ) رواه الترمذي ( 2465 ) وسكت عنه ، وهو إسناد ضعيف فيه الربيع بن صبيح وهو صدوق سيىء الحفظ قلت : وللحديث طرق أخرى ذكرها الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 949 ، 950 ) فيكون بمجموعها الحديث صحيح إن شاء اللّه تعالى . ( 3 ) رواه أحمد ( 4 / 24 ) وابن ماجة ( 4260 ) والترمذي ( 2459 ) والحاكم ( 1 / 57 ) و ( 4 / 251 ) وصححه -